ثورات لم تكتمل
سأتناول اليوم
كتاب مهم يتحدث عن فترة الثورة العرابيه و التى تعد من أهم ثورات التاريخ المصرى
الحديث .
الكتاب تأليف :
محمود فهمى المهندس .
أسم الكتاب :
البحر الزاخر فى تاريخ العالم و أخبار الأوائل و الأواخر .
تقديم : د. يونان
لبيب رزق .
دراسة و تحقيق و
مراجعة : د. لطيفة محمد سالم .
سأقوم بتناول
الشأن المصرى الداخلى مع بعض اللمحات عن الوضع الإقليمى دون الإيغال فى التفاصيل
الخاصه بما كان يحدث وقتها على الصعيد الدولى و الإقليمى حيث أن الكتاب يتناول
الكثير بخصوص الإحتلال المصرى للحجاز و نجد و كيفية القضاء على الدولة الوهابيه
الناشئه .
-
مصر ولاية عثمانية .
فى سنة 1485
م وجه الأتراك العثمانية جيوشهم على مصر ،
فاستمرت الحرب خمس سنوات كانت نتيجتها هزيمة الأتراك العثمانية بواسطة الجراكسه ثم
جدد سليم الأول الحرب فى سنة 1516 م و تم لهم السيطرة الكامله على مصر 1517 م .
هكذا انتقلت مصر
من حكم المماليك لحكم العثمانيين و قد كانت مصر فى فترة حكم المماليك من الصعف و
التخبط و الإقتتال الداخلى الى وضع آخر سأوضحه لاحقا لنرى هل اختلف الوضع أو تحول
للأسوأ ؟.
تحول نظام الحكم
فى مصر ليتحول كالأتى .
1-
الباشا
( المنسق ما بين القسطنطينيه و الحكومه فى مصر )
2-
الوجاقات ( فرق عسكريه تحت قيادة الباشا )
3-
المماليك ( وظيفتهم موزانة الصراع بين الباشا
و الوجاقات )
و هكذا نرى آليات إدارة الدولة العثمانية القائمة على
فكرة مراكز القوى و أطراف الصراع المتأجج المشتعل دوما و الذى يضمن فكرة الإنهاك
المستمر لأى دوله تحت راية الحكم العثمانى و يجعل من إتفاق أطراف المعادلة صعبا إن
لم يكن مستحيلا بغض النظر عن ما سيعانيه أفراد تلك الدول المحتله أو شعوب تلك
الدول و الامارات التى خضعت لحكم العثمانيين ( المهم دوما هو صراع الأطراف على
إثبات الولاء و الإيغال فى إرسال الجبايات )
العوامل المؤسسه لثورة عرابى كما أراها أنا :
فى سنة 1868 م مد إسماعيل باشا سلطته على الممالك
الموجوده فوق النيل الأعلى و هى دارفور و نواحيها ، و فى نفس السنه طلب إسماعيل
اقتراض قرض و دعا ملوك أوروبا كى يحضروا حفل افتتاح قناة السويس ، فرأى الباب
العالى ( السلطنه العثمانيه ) أن إسماعيل يحاول الاستقلال و يجعل من نفسه ملكا
مستقلا .
طلب الباب العالى من إسماعيل باشا :-
1-
تقليل جيشه إلى 30,000 عسكرى .
2-
يتوقف عن بناء القلاع و الطوابى و شراء الأسلحه
.
3-
التوقف عن التدخل فى السياسات الخارجيه ( أى
ان يكتفى بكونه والى لإدارة الشئون الداخليه لمصر كمفوض من الباب العالى بذلك ) .
4-
أن يعرض ميزانية مصروفاته السنوية على الباب
العالى من أجل النظر فيها و إقرارها .
و لشدة ولع إسماعيل باشا بحسن النظام و الزخرفه
و الأبنية ، كان لا ينظر الى صرف المصاريف الباهظه اللازمه لتنفيذ مشروعاته داخل
المملكه المصريه و لا إلى صرف مرتبات الضباط و العساكر الجهاديه ، فتراكمت الديون
الى حد كبير حتى أوجب ذلك قلق الدول
الأوروبانيه الداخلة فى هذه الديون ، فاتفقت على تعيين مجلس سموه مجلس التصفيه
لأجل حصر مدخول الحكومة و معرفة مقدار مصروفاتها .
لما رأى هذا
المجلس حصول عجز كبير فى مدخول الإيراد ألزم إسماعيل باشا الخديوى بتنازله عن
أملاكه الخاصة به و أملاك عائلته . و صادق إسماعيل باشا على تعيين ناظر مالى
انكليزى اسمه ويفرس ويلسون و أخر للأشغال اسمه دوبلنيير فرنساوى و كانت النظارة
تحت رياسة نوبار باشا و فى أثناء ذلك كانت مرتبات ضباط الجهاديه و العسكريه موقوفه
مدة شهور عديدة و تقرر فى جلسات النظار رفت البعض من هؤلاء الضباط و العساكر
لترشيد المصاريف ، و كان نوبار و ويلسون و دوبلينيير متقلدين سوية زمام الحكومه
المصريه و ليس للخديو كلمة نافذة . و من ثم أدخل كل من نوبار و ويلسون و دوبلينيير
أحباءهم و أقاربهم و أصحابهم من بلادهم فى خدمات الحكومه و يرفتون من شاءوا (
الخصخصه بشكل أكثر قدما ) .
فافتقر ضباط
العسكريه حتى آل أمرهم إلى السؤال فعرضوا أخيرا عريضة إلى إسماعيل باشا يطلبون منه
صرف مرتباتهم المتأخره ، فسلطهم فى السر على النظار و كان نوبار رئيسهم فتواعد
الضباط و تقابلوا فى يوم معلوم و قبضوا على نوبار باشا و سقوه الزيت الحار و
ألزموه بصرف مرتباتهم و أهانوه مع ويلسون و ذهبوا إلى ديوان المالية شاهرين سيوفهم
و كانوا نحوا من 400 ضابط .
و بعد ما حصل
للنظار من الاهانه استقالوا و فى عام 1879 م قام الخديوى إسماعيل بقرار مهم و ذلك
أنه جعل النظارة وطنيه تحت رياسة شريف باشا و أمر بزيادة القوة العسكرية إلى نحو
60,000 مقاتل و أرسل عمر باشا لطفى إلى الجهات البحرية لتحصيل نقود و مبالغ و محمد
سلطان الى النواحى القبلية لتحصيل أموال و نقود أيضا .
أدى هذا إلى
إنقلاب إنكلتره و فرانسا على الخديو و اجتهدتا فى عزله و خلعه ، و أجبرتاه بواسطة
نوابها فى مصر على تنازله عن الأريكة المصرية ، و هدده النائبان كل التهديد و كذلك
صار تهديد السلطان من جهتى إنكلتره و فرانسا حتى امتثل السلطان فى الاستانه لخلع
الخديوى .
و تقلد الخديوى
توفيق زمام الأمور و اشتهر الخديوى توفيق باشا بميله إلى أبناء البلاد ، و رفع
شأنهم و بث الحرية فيهم و اتحاد كلمتهم و توجه انتباههم إلى ما فيه صلاح شئونهم .
الثورة العرابية و المطالب الوطنية ملامحها و أحداثها .
(كانت الأمة
المصرية مقسومة إلى ثلاثة أقسام أو أصناف : أولاد ترك ، و أولاد جراكسة مماليك ، و
أولاد عرب و يوجد صنف رابع هو القبط ) .
تعقيب على كلام
الكاتب و الذى هو بين الأقواس أولا المقصود بعرب هنا هم المصريين القبط أيضا لكن
عرب كانت تمييزا لهم عن المماليك و الترك و الأقباط كانت تذكر عن المسيحيين أما
العرب عرقا فكانت تذكر تحت مسمى عربانا أو اعرابا و هؤلاء لم يكونوا يشتغلوا
بالزراعة بل كانوا يعيشون على السرقه و الإتاوات من الفلاحين أو يقوموا بأدوار
الحماية لصالح من يدفع لهم و بخصوص ذكر المؤلف لكلمة أقباطا كصنف رابع إنما هو
تأكيد على تعصب الكاتب لدينه و ذكره للمسيحيين كأنهم شئ ثانوى أو مكمل ليس إلا .
و قد كان بين تلك
الأصناف من العداء و البغض ما يجعل كل جنس يكره الآخر و يتسبب فى المنافع لبنى
جنسه فقط .
و كان ضباط
العسكرية كذلك مقسومون إلى أصناف : ترك و عرب و جراكسة و كل حزب يبغض الآخر و
يكرهه . و الضباط أولاد العرب قسمين من تهذبوا و تربوا و تعلموا فى المدارس
الحربيه (1 ) ، و الذين ترقوا من تحت السلاح (2 ) .
كان أحمد عرابى و
روفقاؤه على فهمى و عبد العال حلمى و أحمد عبد الغفار من ضمن الذين ترقوا تحت
السلاح مدة حكومة سعيد باشا .
( فأما أحمد عرابى
فإنه كان دخل فى سلك العسكريه ثم غضب عليه محمد سعيد باشا و ضربه ثلثمائة نبوت و
طرده من الجيش ثم عاد إلى الجيش فى ولاية إسماعيل باشا ، ثم وقعت مخاصمة بينه و
بين خسرو باشا الجركسى أدت لإبعاد عرابى من الخدمه و كان كلاهما متعصب لأبناء جنسه
إلا ان خسرو باشا كان متعصبا لأبناء جنسه عموما بينما أحمد عرابى كان متعصبا
لأبناء جنسه ممن ترقوا تحت السلاح فقط و كان أشد كراهة لأبناء جنسه ممن ترقوا من
المدارس الحربية ).
نرى هنا أصول
الصراع الطبقى بين فئات الشعب المصرى و خصوصا بين الفئه الأكبر من ابناء الفلاحين
و التى كان منها عرابى بين الفئه التى تعلمت و الفئه التى لم تنل حظا من التعليم
فمن ترقوا من تحت السلاح هم هؤلاء الأميين الذين تمت ترقيتهم بالأقدميه كما نسمهيم
نحن الأن ضابط مخله ( من يتطوع دون الحصول على مؤهل علمى ) .
صار أحمد عرابى
منبوذا مطرودا من الخدمة العسكرية مرفوتا حتى افتقر و اشتد به الاحتياج بسبب بغضه
للجراكسة ، لولا ان لحق بأشغال الدائرة الحلمية و تزوج بابنة مرضعة إلهامى باشا و
هى أخت حرم (الخديوى) توفيق باشا من
الرضاع ، ثم عفا عنه إسماعيل باشا بواسطة
رجاء خاص من قاسم باشا رسمى ناظر الجهاديه و دخل عرابى من جديد فى أحد الآلايات الموجودة
بنواحى رشيد فأخذ فى تأليف قلوب الضباط العرب الذين هم تحت السلاح مثله و جمع
كلمتهم على ولائه ، و كان يظهر لهم الأسف الشديد و الحزن بشأن حرمانهم من الترقيات
كما هو حال الجراكسه و الأتراك .
و بعد أن تولى
الخديوى توفيق باشا الأريكة المصرية رقاه إلى رتبة أميرالاى بمساعدة حماته أم
مرأته .
ثم تم إتفاق بين
عرابى و على فهمى و عبدالعال أن يكتبوا عريضة يتظلمون من أعمال و إجراءات عثمان
رفقى فى حقهم و صدور أوامره برفتهم من آلاياتهم ، و يقدمونها لرئيس النظار رياض
باشا فتوجه الثلاثة إليه ، و عرضوا عريضتهم عليه فأخذ رياض باشا عريضتهم و جبر خاطرهم و وعدهم بما يكون فيه
الصلاح لأنفسهم و وعظهم بعدم التهور .
ثم أبطل رياض
باشا ما صدر من أوامر عثمان رفقى ناظر
الجهاديه بعد أن تكلم معه كلاما ثقيلا أمام الخديوى ، فأوغل ذلك فى صدر الخديوى
توفيق و قال لابد أن يحاكم هؤلاء حسب القانون فرد عثمان باشا أنا احب أن يصدر لى
أفندينا أمرا بمحاكمتهم بواسطة مجلس عسكرى و معاقبتهم على ما فعلوه من وقاحة ،
فقال له توفيق باشا إنه ربما يتولد من ذلك ثورة عسكرية يصعب إطفاؤها ،فقال عثمان
رفقى باشا بنفس أفندينا لا يحصل شئ و لا تشويش فى ذلك و أنا المسئول .
استحصل عثمان رفقى
على أمر من الخديوى بمحاكمة هؤلاء و تجريدهم من رتبهم و قتلهم ، و هذا كله لا
معلومية لرياض باشا به ، و لما استلم عثمان رفقى الأمر فى يده سار به فورا الى
ديوان الجهاديه ، و حرر أوامر عرابى إلى عرابى و عبد العال و على فهمى بأنه لابد
من حضورهم موكب زفاف أخت الخديوى و أن يكون حضورهم ابتداء فى ديوان الجهاديه بقصر
النيل ، و لما وصلتهم الأوامر أحسوا فى صدورهم بما سيحصل لهم و أوجسوا خيفة و
أخذوا فى أداء طرائق التحرز و التحفظ ليلا ، و باتوا مرعوبين قلقين حتى فى صباح
ثانى يوم .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق