08‏/03‏/2013

ثورات لم تكتمل -1-


ثورات لم تكتمل

 

سأتناول اليوم كتاب مهم يتحدث عن فترة الثورة العرابيه و التى تعد من أهم ثورات التاريخ المصرى الحديث .

الكتاب تأليف : محمود فهمى المهندس .

أسم الكتاب : البحر الزاخر فى تاريخ العالم و أخبار الأوائل و الأواخر .

تقديم : د. يونان لبيب رزق .

دراسة و تحقيق و مراجعة : د. لطيفة محمد سالم .

 

سأقوم بتناول الشأن المصرى الداخلى مع بعض اللمحات عن الوضع الإقليمى دون الإيغال فى التفاصيل الخاصه بما كان يحدث وقتها على الصعيد الدولى و الإقليمى حيث أن الكتاب يتناول الكثير بخصوص الإحتلال المصرى للحجاز و نجد و كيفية القضاء على الدولة الوهابيه الناشئه .

-         مصر ولاية عثمانية .

فى سنة 1485 م  وجه الأتراك العثمانية جيوشهم على مصر ، فاستمرت الحرب خمس سنوات كانت نتيجتها هزيمة الأتراك العثمانية بواسطة الجراكسه ثم جدد سليم الأول الحرب فى سنة 1516 م و تم لهم السيطرة الكامله على مصر 1517 م .

 

هكذا انتقلت مصر من حكم المماليك لحكم العثمانيين و قد كانت مصر فى فترة حكم المماليك من الصعف و التخبط و الإقتتال الداخلى الى وضع آخر سأوضحه لاحقا لنرى هل اختلف الوضع أو تحول للأسوأ ؟.

تحول نظام الحكم فى مصر ليتحول كالأتى .

1-   الباشا  ( المنسق ما بين القسطنطينيه و الحكومه فى مصر )

2-   الوجاقات ( فرق عسكريه تحت قيادة الباشا )

3-   المماليك ( وظيفتهم موزانة الصراع بين الباشا و الوجاقات )

 

و هكذا نرى آليات إدارة الدولة العثمانية القائمة على فكرة مراكز القوى و أطراف الصراع المتأجج المشتعل دوما و الذى يضمن فكرة الإنهاك المستمر لأى دوله تحت راية الحكم العثمانى و يجعل من إتفاق أطراف المعادلة صعبا إن لم يكن مستحيلا بغض النظر عن ما سيعانيه أفراد تلك الدول المحتله أو شعوب تلك الدول و الامارات التى خضعت لحكم العثمانيين ( المهم دوما هو صراع الأطراف على إثبات الولاء و الإيغال فى إرسال الجبايات )

 

العوامل المؤسسه لثورة عرابى كما أراها أنا :

 

فى سنة 1868 م مد إسماعيل باشا سلطته على الممالك الموجوده فوق النيل الأعلى و هى دارفور و نواحيها ، و فى نفس السنه طلب إسماعيل اقتراض قرض و دعا ملوك أوروبا كى يحضروا حفل افتتاح قناة السويس ، فرأى الباب العالى ( السلطنه العثمانيه ) أن إسماعيل يحاول الاستقلال و يجعل من نفسه ملكا مستقلا .

طلب الباب العالى من إسماعيل باشا :-

1-   تقليل جيشه إلى 30,000 عسكرى .

2-    يتوقف عن بناء القلاع و الطوابى و شراء الأسلحه .

3-   التوقف عن التدخل فى السياسات الخارجيه ( أى ان يكتفى بكونه والى لإدارة الشئون الداخليه لمصر كمفوض من الباب العالى بذلك ) .

4-   أن يعرض ميزانية مصروفاته السنوية على الباب العالى من أجل النظر فيها و إقرارها .

 و لشدة ولع إسماعيل باشا بحسن النظام و الزخرفه و الأبنية ، كان لا ينظر الى صرف المصاريف الباهظه اللازمه لتنفيذ مشروعاته داخل المملكه المصريه و لا إلى صرف مرتبات الضباط و العساكر الجهاديه ، فتراكمت الديون الى حد كبير حتى أوجب ذلك قلق  الدول الأوروبانيه الداخلة فى هذه الديون ، فاتفقت على تعيين مجلس سموه مجلس التصفيه لأجل حصر مدخول الحكومة و معرفة مقدار مصروفاتها .

لما رأى هذا المجلس حصول عجز كبير فى مدخول الإيراد ألزم إسماعيل باشا الخديوى بتنازله عن أملاكه الخاصة به و أملاك عائلته . و صادق إسماعيل باشا على تعيين ناظر مالى انكليزى اسمه ويفرس ويلسون و أخر للأشغال اسمه دوبلنيير فرنساوى و كانت النظارة تحت رياسة نوبار باشا و فى أثناء ذلك كانت مرتبات ضباط الجهاديه و العسكريه موقوفه مدة شهور عديدة و تقرر فى جلسات النظار رفت البعض من هؤلاء الضباط و العساكر لترشيد المصاريف ، و كان نوبار و ويلسون و دوبلينيير متقلدين سوية زمام الحكومه المصريه و ليس للخديو كلمة نافذة . و من ثم أدخل كل من نوبار و ويلسون و دوبلينيير أحباءهم و أقاربهم و أصحابهم من بلادهم فى خدمات الحكومه و يرفتون من شاءوا ( الخصخصه بشكل أكثر قدما ) .

فافتقر ضباط العسكريه حتى آل أمرهم إلى السؤال فعرضوا أخيرا عريضة إلى إسماعيل باشا يطلبون منه صرف مرتباتهم المتأخره ، فسلطهم فى السر على النظار و كان نوبار رئيسهم فتواعد الضباط و تقابلوا فى يوم معلوم و قبضوا على نوبار باشا و سقوه الزيت الحار و ألزموه بصرف مرتباتهم و أهانوه مع ويلسون و ذهبوا إلى ديوان المالية شاهرين سيوفهم و كانوا نحوا من 400 ضابط .

و بعد ما حصل للنظار من الاهانه استقالوا و فى عام 1879 م قام الخديوى إسماعيل بقرار مهم و ذلك أنه جعل النظارة وطنيه تحت رياسة شريف باشا و أمر بزيادة القوة العسكرية إلى نحو 60,000 مقاتل و أرسل عمر باشا لطفى إلى الجهات البحرية لتحصيل نقود و مبالغ و محمد سلطان الى النواحى القبلية لتحصيل أموال و نقود أيضا .

أدى هذا إلى إنقلاب إنكلتره و فرانسا على الخديو و اجتهدتا فى عزله و خلعه ، و أجبرتاه بواسطة نوابها فى مصر على تنازله عن الأريكة المصرية ، و هدده النائبان كل التهديد و كذلك صار تهديد السلطان من جهتى إنكلتره و فرانسا حتى امتثل السلطان فى الاستانه لخلع الخديوى .

و تقلد الخديوى توفيق زمام الأمور و اشتهر الخديوى توفيق باشا بميله إلى أبناء البلاد ، و رفع شأنهم و بث الحرية فيهم و اتحاد كلمتهم و توجه انتباههم إلى ما فيه صلاح شئونهم .

الثورة العرابية و المطالب الوطنية ملامحها و أحداثها .

(كانت الأمة المصرية مقسومة إلى ثلاثة أقسام أو أصناف : أولاد ترك ، و أولاد جراكسة مماليك ، و أولاد عرب و يوجد صنف رابع هو القبط ) .

تعقيب على كلام الكاتب و الذى هو بين الأقواس أولا المقصود بعرب هنا هم المصريين القبط أيضا لكن عرب كانت تمييزا لهم عن المماليك و الترك و الأقباط كانت تذكر عن المسيحيين أما العرب عرقا فكانت تذكر تحت مسمى عربانا أو اعرابا و هؤلاء لم يكونوا يشتغلوا بالزراعة بل كانوا يعيشون على السرقه و الإتاوات من الفلاحين أو يقوموا بأدوار الحماية لصالح من يدفع لهم و بخصوص ذكر المؤلف لكلمة أقباطا كصنف رابع إنما هو تأكيد على تعصب الكاتب لدينه و ذكره للمسيحيين كأنهم شئ ثانوى أو مكمل ليس إلا .

و قد كان بين تلك الأصناف من العداء و البغض ما يجعل كل جنس يكره الآخر و يتسبب فى المنافع لبنى جنسه فقط .

و كان ضباط العسكرية كذلك مقسومون إلى أصناف : ترك و عرب و جراكسة و كل حزب يبغض الآخر و يكرهه . و الضباط أولاد العرب قسمين من تهذبوا و تربوا و تعلموا فى المدارس الحربيه (1 ) ، و الذين ترقوا من تحت السلاح (2 ) .

كان أحمد عرابى و روفقاؤه على فهمى و عبد العال حلمى و أحمد عبد الغفار من ضمن الذين ترقوا تحت السلاح مدة حكومة سعيد باشا .

( فأما أحمد عرابى فإنه كان دخل فى سلك العسكريه ثم غضب عليه محمد سعيد باشا و ضربه ثلثمائة نبوت و طرده من الجيش ثم عاد إلى الجيش فى ولاية إسماعيل باشا ، ثم وقعت مخاصمة بينه و بين خسرو باشا الجركسى أدت لإبعاد عرابى من الخدمه و كان كلاهما متعصب لأبناء جنسه إلا ان خسرو باشا كان متعصبا لأبناء جنسه عموما بينما أحمد عرابى كان متعصبا لأبناء جنسه ممن ترقوا تحت السلاح فقط و كان أشد كراهة لأبناء جنسه ممن ترقوا من المدارس الحربية ).

 

نرى هنا أصول الصراع الطبقى بين فئات الشعب المصرى و خصوصا بين الفئه الأكبر من ابناء الفلاحين و التى كان منها عرابى بين الفئه التى تعلمت و الفئه التى لم تنل حظا من التعليم فمن ترقوا من تحت السلاح هم هؤلاء الأميين الذين تمت ترقيتهم بالأقدميه كما نسمهيم نحن الأن ضابط مخله ( من يتطوع دون الحصول على مؤهل علمى ) .

صار أحمد عرابى منبوذا مطرودا من الخدمة العسكرية مرفوتا حتى افتقر و اشتد به الاحتياج بسبب بغضه للجراكسة ، لولا ان لحق بأشغال الدائرة الحلمية و تزوج بابنة مرضعة إلهامى باشا و هى أخت حرم (الخديوى) توفيق باشا  من الرضاع ، ثم عفا عنه إسماعيل باشا  بواسطة رجاء خاص من قاسم باشا رسمى ناظر الجهاديه و دخل عرابى من جديد فى أحد الآلايات الموجودة بنواحى رشيد فأخذ فى تأليف قلوب الضباط العرب الذين هم تحت السلاح مثله و جمع كلمتهم على ولائه ، و كان يظهر لهم الأسف الشديد و الحزن بشأن حرمانهم من الترقيات كما هو حال الجراكسه و الأتراك .

و بعد أن تولى الخديوى توفيق باشا الأريكة المصرية رقاه إلى رتبة أميرالاى بمساعدة حماته أم مرأته .

ثم تم إتفاق بين عرابى و على فهمى و عبدالعال أن يكتبوا عريضة يتظلمون من أعمال و إجراءات عثمان رفقى فى حقهم و صدور أوامره برفتهم من آلاياتهم ، و يقدمونها لرئيس النظار رياض باشا فتوجه الثلاثة إليه ، و عرضوا عريضتهم عليه فأخذ رياض باشا  عريضتهم و جبر خاطرهم و وعدهم بما يكون فيه الصلاح لأنفسهم و وعظهم بعدم التهور .

ثم أبطل رياض باشا  ما صدر من أوامر عثمان رفقى ناظر الجهاديه بعد أن تكلم معه كلاما ثقيلا أمام الخديوى ، فأوغل ذلك فى صدر الخديوى توفيق و قال لابد أن يحاكم هؤلاء حسب القانون فرد عثمان باشا أنا احب أن يصدر لى أفندينا أمرا بمحاكمتهم بواسطة مجلس عسكرى و معاقبتهم على ما فعلوه من وقاحة ، فقال له توفيق باشا إنه ربما يتولد من ذلك ثورة عسكرية يصعب إطفاؤها ،فقال عثمان رفقى باشا بنفس أفندينا لا يحصل شئ و لا تشويش فى ذلك و أنا المسئول .

استحصل عثمان رفقى على أمر من الخديوى بمحاكمة هؤلاء و تجريدهم من رتبهم و قتلهم ، و هذا كله لا معلومية لرياض باشا به ، و لما استلم عثمان رفقى الأمر فى يده سار به فورا الى ديوان الجهاديه ، و حرر أوامر عرابى إلى عرابى و عبد العال و على فهمى بأنه لابد من حضورهم موكب زفاف أخت الخديوى و أن يكون حضورهم ابتداء فى ديوان الجهاديه بقصر النيل ، و لما وصلتهم الأوامر أحسوا فى صدورهم بما سيحصل لهم و أوجسوا خيفة و أخذوا فى أداء طرائق التحرز و التحفظ ليلا ، و باتوا مرعوبين قلقين حتى فى صباح ثانى يوم .